28.3 C
New York
الثلاثاء, أغسطس 9, 2022

Buy now

الدكتور أحمد سالم يكتب .. الاحتراق الوظيفي وأثره في عرقلة مشروع تطوير الأزهر

الدكتور أحمد سالم

الدكتور أحمد سالم

بقلم الدكتور أحمد سالم

مدرس العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر
مع انطلاق العديد من المشروعات لتطوير الأزهر الشريف وتجديد الخطاب الديني التي تبناها فضيلة الإمام المجدد الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب – شيخ الأزهر، وهذا أمر جيد محمود، ومعلوم أن التطوير والتجديد له مسارات يسير خلالها، إلا إنه قد يحدث انقطاع في سلسلة الهيكل التنظيمي للمؤسسة، وذلك لأن القرارات تنتقل عبر دوائر عديدة بدءًا من صناع القرارات وانتهاءً بجهة تنفيذها وتطبيقها، ومعلوم أن شريحة الموظفين والمعلمين والوعاظ هي أكبر شريحة داخل المؤسسة مطالبة بتنفيذ تلك المشروعات والقرارات، وإذا وجد خلل أو قصور داخل تلك الشريحة فهذا سيؤثر سلبًا على تنفيذ تلك المشروعات المقترحة من تطوير أو تجديد أو نحوهما، وذلك لغياب الثمرة المرجوة من تلك المشروعات، وربما أدى ذلك إلى تنامي موجة النقد الموجه للمؤسسة بسبب تأخر نتائج التطوير والتجديد، وهذا ما يدفعنا إلى دراسة مشكلة الاحتراق الوظيفي كأحد أهم أسباب عرقلة مشروع تطوير الأزهر.
مفهوم الاحتراق الوظيفي:
عُرِّف الاحتراق الوظيفي بأنه ” حالة من الإنهاك الفكري والجسماني والعاطفي، والتي تكون على شكل تعبيرات يستخدمها الفرد تجاه عمله كاستجابات للضغوط والعلاقات التنظيمية المزمنة. وتتمثل هذه الحالة في إحساس الفرد بأن مصادره العاطفية مستنزفة، وبميله لتقويم ذاته سلبيًّا، وإحساسه بتدني كفاءته في العمل، وفقدان التزامه الشخصي في علاقات العمل، بالإضافة إلى فقدانه العنصر الإنساني في التعامل مع الآخرين داخل المؤسسة وخارجها “.
صور الاحتراق الوظيفي:
1- الإنهاك الوظيفي: ويعني افتقاد الموظف داخل المؤسسة بالثقة بالذات، وغياب العامل التحفيزي من رؤساء العمل، وعدم وجود الدافع المعنوي للإقبال على العمل، وافتقاد الاهتمام والعناية ممن يستفيدون من خدمة الموظف، واستنفاذه لكل طاقاته في أيامه الأولى من تسلم العمل، والشعور بالإحباط، وافتقاد الانتماء للمؤسسة، وإحساسه بأن مصادره العاطفية والوجدانية مستنزفة. وهذا الشعور بالإنهاك العاطفي قد يواكبه إحساس بالإحباط والشد النفسي، حينما يشعر الموظف أنه لم يعد قادرا على الاستمرار في العطاء أو تأدية مسؤولياته نحو المستفيدين بنفس المستوى الذي كان يقدمه من قبل، كأن يشرح المعلم نفس المقررات لفرق محددة دون تغيير أو تنوع. ومن أهم الأعراض الشائعة للإنهاك الوظيفي شعور الموظف بالقلق عندما يفكر في الذهاب إلى العمل كل صباح، تبادل مواقف السخرية من العمل مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي عند اقتراب انتهاء الإجازات والنزول إلى العمل.
2- الشعور بتدني الإنجاز: ومن أهم دلالاته ميل الموظف إلى تقويم ذاته سلبيا، وشعوره بالفشل، وعدم القدرة على العطاء أو تقديم جديد، بالإضافة إلى تدني إحساسه بالكفاءة في العمل والإنجاز الناجح لعمله أو تفاعله مع الآخرين، مما يؤثر سلبًا على أداء العملية التعليمية أو الوعظية. ويحدث ذلك أيضًا عندما يشعر الموظف بأن مقترحاته ليس لها أهمية، وعدم وجود قنوات تواصل مع القيادات، أو وجود صراعات داخل الإدارة التابع لها فيخشى من أن يمسه شيء منها، أو تخوف الموظف وشعوره بأنه سيجازى إذا تخطى رئيسه المباشر وحاول الوصول إلى القيادات، وكذلك بسبب الحالات التي تخفق فيها محاولات الموظف باستمرار في تقديم نتائج إيجابية، مما يؤدي إلى ظهور أعراض للتوتر والاكتئاب، وعندما يعتقد الموظف أنه لن تكون لجهوده نتيجة فعالة فإنه يتخلى عن محاولات المشاركة في تقديم المقترحات.
3- افتقاد الآدمية في التعامل:
ويتمثل في ميل بعض الموظفين إلى السخرية من المستفيدين الذين يتعاملون معهم، سواء كان هؤلاء المستفيدون من داخل المؤسسة أو خارجها. وتظهر هذه الحالة بوضوح في تعامل بعض المعلمين مع الطلاب مما يؤثر سلبًا على انتماء الطلاب للمؤسسة، وتنامي روح العدائية مع المعلم بسبب سبه للطلاب، ويعني ذلك فقدان العنصر الإنساني أو الشخصي في التعامل، وفي هذه الحالة يتصف المعلم بالقسوة، والغضب، والتشاؤم، وكثرة الانتقاد، ومن صوره أيضًا توجيه اللوم لزملائه في العمل وللمستفيدين من المؤسسة، ويتصف كذلك بالبرود، وعدم المبالاة، والشعور السلبي نحو الطلاب، وقلة العناية بهم. ومن أهم مظاهر هذه الحالة انسحاب المعلم من شرح الدروس داخل الحصص مما يعطي رسائل سلبية للطلاب بعدم احترام العمل وإتقانه، وكذا انسحاب الوعاظ من أداء المهام الدعوية، واللجوء إلى فترات طويلة للراحة، أو المحادثات الطويلة مع زملاء العمل، أو على الهاتف….الخ.

العوامل المؤثرة في حدوث الاحتراق الوظيفي:
للاحتراق الوظيفي عدة أسباب منها: تعسف بعض المديرين، ووجود الشللية في العمل، مما يؤدي إلى ضياع فرص الأكفاء، والعمل في غير التخصص، وعدم وجود رقابة حقيقية تباشر ما تم إنجازه من مهام، والتخبط في اتخاذ القرارات وتعارضها، بيروقراطية القوانين، وعدم وجود روابط بين فريق العمل، وتدني الأجور والرواتب، وغياب الدافع لحب العمل، وكثرة أعباء العمل وضغوطه مع عدم توفير الوقت الكافي لإنجازه، والتقويم العشوائي للموظفين، وعدم استغلال طاقات وأفكار الموظفين حسب تخصصاتهم وقدراتهم، وضعف التغذية المرتدة بما لا يتناسب مع كفاءة الأداء، وعدم وجود التنافسية بين الموظفين، وتقليل المدراء من مهام الموظفين، وتجريحهم ولومهم الدائم واتهامهم بعدم أهليتهم للعمل، عدم وجود فرص للترقي داخل المؤسسة، ضعف الإدارة، عدم الشعور بالأمان المستقبلي للوظيفة، التهديد الدائم وتوعد الموظفين،

مراحل الاحتراق الوظيفي:
ذكر أحد الباحثين أن الاحتراق الوظيفي يأتي استجابة للضغوط التي تقع على الموظف، والتي تمثل له عوامل توتر مثل عبء العمل، وقلة الوقت الكافي لإنجاز المهمات، مما تؤدي إلى زيادة التزاماته، وتؤثر سلبًا على مسؤولياته الشخصية والأسرية والاجتماعية، وبسبب كثرة الضغوط والإثارة التي تحدثها هذه المتطلبات، فإن الموظف يبدأ بالشعور بالإنهاك العاطفي عند التعرض المتكرر لهذه المتطلبات المهمة، فيلجأ إلى استخدام فقدان العنصر الإنساني أو الشخصي في التعامل مع المستفيدين كوسيلة للتعامل مع هذه الحالة. بعدها يبدأ الفرد بالشعور بإحساس من تدني الإنجاز الشخصي، خصوصا عندما يعمل في بيئة لا توفر إلا قدرًا محدودًا من التغذية الراجعة والمكافآت لإنجازات العمل.
وقد يبدأ الاحتراق أولا بتدهور العديد من الإدراكات أو الاتجاهات الإيجابية ذات الصلة بعمله، ونتيجة لذلك ينخفض شعور الموظف بالرضا الوظيفي، ويزيد الشد العصبي لديه أثناء أدائه للعمل. وبعد ذلك تبدأ نتائج تقويم أداء الموظف في الانخفاض، ثم تظهر بعض الأعراض السلبية، ومن ثم يزداد مستوى التسرب الوظيفي، وينخفض مستوى تقدير الذات، وتظهر مؤشرات على تدهور الصحة النفسية، وتسوء نوعية العلاقات الشخصية والاجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى تفكك مجموعات العمل وعدم العمل بروح الفريق، وانهيار الدعم الاجتماعي للموظفين.
ومن خلال هذا يتضح لنا أن مشكلة الاحتراق الوظيفي من أهم المشكلات التي ينغي معالجتها وعدم إغفالها، حتى يؤتي مشروع تطوير الأزهر ثماره المرجوة.

Related Articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -spot_img

Latest Articles