-3.8 C
New York
الخميس, يناير 27, 2022

Buy now

الدكتور أحمد سالم يكتب .. يا من تنتقدون شيخ الأزهر هلا تعلمتم منهج الإسلام في الدعوة أولاً ؟!

الدكتور احمد سالم

الدكتور احمد سالم

بقلم : الدكتور احمد سالم

مدرس العقيدة و الفلسفة بجامعة الأزهر

يا من تنتقدون شيخ الأزهر؛ هلا تعلمتم منهج الإسلام في الدعوة أولًا؟!
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد.
بداية أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ أحمد محمد الطيب – شيخ الأزهر الشريف على سعيه الحثيث لنشر ثقافة السلام والتآخي بين شعوب الأرض، ودعواته المتكررة لنزع فتيل الأزمة بين أبناء الوطن الواحد، وحرصه الشديد على نشر صحيح الدين الإسلامي في ربوع الأرض بكل ما تحمله رسالة الإسلام من محبة وإخاء وتسامح وتعايش لكل الشعوب على تعدد واختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم.
إن المؤتمر الذي دعا إليه فضيلة الإمام شباب ميانمار لهو خير مثال لثمار السلام التي زرعها فضيلة الإمام، ولكن للأسف لم تسلم هذه الجهود من انتقادات المرجفين في المدينة -وهذا ديدنهم- فهم لا يتركون موقفًا إلا ويتحينون الفرص في الأوقات الضائعة لبث سمومهم ليفتوا في أعضاد الناس، والسؤال الآن يا من تنتقدون شيخ الأزهر على ثنائه على بوذا وتعاليمه، ماذا قدمتم لشعوب الأرض؟
فلم نر منكم إلا تقديم الإسلام بصورة بشعة لا تعرف إلا القتل وسفك الدماء ونشر الإرهاب!!!
وماذا قدمتم من حلول لحل النزاعات التي ألمت بالمسلمين، وأتعجب من حالكم، تارة تنادون أين دور الأزهر من قضية كذا؟ وأين موقف الأزهر من كذا؟ وإذا تحدث الأزهر وسعى في تشخيص أمراض الأمة بحثًا عن إيجاد حل لها؛ غيرتم مسار النقد إلى: نعيب على الأزهر كذا وكذا، ولو تعلمتم فقه الدعوة الإسلامية لما صدر منكم هذا النقد المعوج، الذي لا يصدر إلا من متربص، وسأحاكمكم إلى نص كلام الإمام في كلمته في المؤتمر ليكون حجة لإبطال شبهتكم، ثم سأحاكمكم إلى المنقول والمعقول لتعلموا أن الإمام سار على نفس منهج الأنبياء والمرسلين في الدعوة إلى الله -تعالى-.
فقد بدأ فضيلة الإمام كلامه بالتهنئة بالعامِ الجديد سائلًا الله تعالى أنْ يجعله عامًا سعيدًا حافلًا بالسلامِ والأمان للعالَم كُله، وأنْ يجعل منه عام حقن للدِّماءِ وإطفاء لنيرانِ الحروب التي يشتعل أوارها بين أخوة الوطن وأخوة الدِّين وأخوة الإنسانيَّة..
ثم تحدث الإمام عن التفرقة بين دعوة المرسلين والحكماء في المسمى ثم اجتماعهم في قاسم مشترك تجتمع فيه الحكمة من بعثة الأنبياء، ودعوة الحكماء ألا وهو حفظ الدماء ونبذ القتل والظلم، يقول شيخ الأزهر: ” وأنا لا أعرف فتنة أضرَّ على الناس ولا أفتك بأجسادهم وأسكب لدمائهم من القتل والقتال باسمِ الدِّين تارة وباسمِ العِرق تارة أخرى، فما للقتل بُعِثَ الأنبياء وأُرسل المُرسلون ولا للاضطهاد والتشريد جاء الحكماء والمتألهون.”
ثم تحدث شيخ الأزهر أن من سنن الله تعالى في خلقه اختلافهم في أديانهم وألسنتهم وألوانهم، إذ يقول: “وقد تقرَّر في الأديان الإلهيَّة كلها وفي كتبها المقدَّسة وتعاليمها أن إرادة الله العليّ الأعلى شاءت أنْ يخلقَ الناس مختلفين في أديانهم وألوانهم ولغاتهم وأعراقهم، ولو أنَّه أراد أن يخلقهم جميعًا على دين واحد، أو يجعل لهم لونًا واحدًا ولغة واحدة وجنسًا واحدًا لفعل، ولما عجز، والأديان كلها تؤكِّد هذه الحقيقة المحوريَّة في فلسفة الخلق والتكوين:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ {الروم: 22{، وكما تعلمنا إخوة الدين تعلمنا أيضًا إخوة الإنسانية، وأن الناس بالقياس إلى المؤمن إما أخ في الدين، أو نظير في الإنسانية”.
والإمام يقصد في عجز الكلام الحديث عن القاسم المشترك وهو الأخوة الإنسانية.
ثم استدل فضيلة الإمام على ذلك بما كان يردده نبي الإسلام عقب كل صلاة ويَشْهد عليه قوله –ﷺ- مخاطبًا ربه: ” أنَا شَهِيدٌ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ.. ولا يوجد برهان أكبرُ من هذه الشهادة التي تفتح باب الإخاء الإنساني بين العباد إلى الأبد ودون تحفظ على جنس أو لون أو عرق أو دين، وتعلمنا الأديان أن الله تعالى كما خلق المؤمن خلق الكافر أيضًا، ونحن المسلمين نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ {التغابن: 2}، ويقول علماء القرآن إن تقديم الكافر على المؤمن في هذه الآية دليل على أن الكفر هو الأغلب على الناس والأكثر فيهم، ويجب أنْ نعلم أنَّ الحكمة الإلهية تتعالى عن أن يخلق الله -سبحانه- الكافرين ثم يأمرَ المؤمنين بقتلهم واستئصال شأفتهم، فهذا عبث يزري بحكمة المخلوق فضلًا عن حكمة الخالق، لأن الجميع خلقه وصنعته وإبداعه، وجاء في الأثر: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، وَأَحَبُّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ»، وليس بين المؤمن والكافر إلَّا الدعوةُ بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمةِ الطيبة، ثم تركِ كلِّ واحدٍ منهما حبلَ صاحبه على غاربه.”
وفي عجز الكلام أيضًا تحدث فضيلة الإمام عن قضية مهمة وهي أن كيفية التعايش بين المؤمن والكافر لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، ومن هذا المنطلق تحدث فضيلة الإمام عن منهج الإسلام في معاملة غير المسلم فقال: “وقد جاء في كتاب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن: «مَنْ كَرِهَ الإِسْلامَ مِنْ يَهُودِيٍّ أو نَصْرَانِيٍّ، فَإِنَّهُ لا يُحَوَّلُ عَنْ دِينِهِ»، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ )الكهف: 29(.

وإذا كانت الأديان كلها تتبنَّى هذا الأدب الإنساني الرفيع في دعوتها للعلاقة بين المؤمن وغير المؤمن، فهل يُعقل أن تَنْسَى تعاليم الأديان ذلك أو تصادرَه بين أخوة الأديان وما يترتب عليها من حقوق إنسانية وواجبات خلقية!”. هذه رسالة الإسلام وتعاليمه في معاملة غير المسلمين، بقي الحديث عن القاسم المشترك مع الجانب الآخر الذي يدينون به ويتحاكمون إليه وهو “بوذا”، وكأنه يقول لهم: وفي تعاليمكم أيضًا وما تدينون به ما يحرم القتل وسفك الدماء ويحث على نشر السلام والفضائل، فقال فضيلة الإمام: ” إنَّ حكمة البوذية والهندوسية والمسيحية والإسلام، التي تزخر بها أرضكم، تناديكم صباح مساء: لا تقتلوا، ولا تسرقوا، ولا تكذبوا، والزموا العفَّة، لا تشربوا المُسكرات، وقد تعلَّمنا في كلية أصول الدين في الأزهر الشريف، ونحن نَدْرُس حكماء الشرق أن البوذية تعاليم إنسانية وأخلاقية في المقام الأول، وأن بوذا هذا الحكيم الصامت، هو من أكبر الشخصيات في تاريخ الإنسانية، وكان من أبرز صفاته الهدوءُ والعقلانية وشِدَّة الحنان والعطف والمَودَّة”.
ثم استشهد فضيلة الإمام بما كتبه كبار المؤرخين عن بوذا فقال: “… وأن كِبَار مؤرخي الأديان في العالَم يصفون تعاليمه بأنها «تعاليم الرحمة غير المتناهية»، وأن صاحبها كان وديعًا مُسالمًا غير متكِّبر ولا متشامخ، بل سهلًا لَـيِّـنًا قريبًا من الناس، وكانت وصاياه تدور على المحبَّة والإحسان للآخرين”.
هذا توصيف لما كتبه المؤرخون عن بوذا، وهو وصف لما كان يدعو إليه، ومغزى الكلام أن دعوات الإبادة والتشريد التي يقوم بها بعضكم تخالف تمامًا ما تدينون به من تعاليم بوذا وأحواله ومعاملاته مع مخالفيه، وكأنه يسألهم هل ما تعلمناه عن بوذا وحكمته صحيح؟ وهو من باب الإلزام الخفي للخصم، لأنه من المستحيل أن يقولوا لا.
وفي الكلام أيضًا استخدام للطيف البلاغة في الحوار وهو “الكناية”، وقد استخدم القرآن هذا الأسلوب حكاية عن تساؤل قوم مريم لما ولدت المسيح فقالوا لها: “يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ” (مريم: 28)، وقد فسر الحافظ ابن كثير الآية بقوله: “يا شبيهة هارون في العبادة ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا، أي : أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟”.
ونظيره يا من تدينون ببوذا ما كانت تعاليمه القتل وسفك الدماء وحرق الناس أحياء فأنى لكم بهذه الأفعال؟
أما عن أدلة القرآن في ملاطفة غير المسلم في الدعوة إلى الله، فالمقام لا يتسع لحصرها، وسأكتفي بشاهد واحد، لما أرسل الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال تعالى في توجيه رسالة دعوتهما: “اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ” (طه: 43، 44).
يقول الإمام القرطبي في بيان معنى الآية: “فقولا له قولا لينا دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال : فقولا له قولا لينا وقال : لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فكيف بنا فنحن أولى بذلك. وحينئذ يحصل الآمر والناهي على مرغوبه، ويظفر بمطلوبه ؛ وهذا واضح… فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا لينا، فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه. وقد قال تعالى:””وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا” (البقرة: 83).
وقد استخرج الحافظ ابن كثير معنًى دقيقًا من الآية فقال: “هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله : فقولا له قولا لينا ” : يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟”.
وفي الرسائل التي أرسلها النبي -صلى الله عليه وسلم إلى الملوك ما يعاضد ذلك، وقد نهج الصحابة رضوان عليهم أجمعين هذا النهج السديد في مخاطبة غير المسلمين، وتخير القواسم المشتركة للحديث عنها، وخير دليل على ذلك أن جعفر بن أبي طالب قرأ على النجاشي صدر سورة مريم، فأجهش النجاشي وحضوره بالبكاء، فاختيار موضع الاستدلال من الحكمة، وهي موهبة من الله تعال: ” يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ” (البقرة: 269).
وفي الخطاب رسائل قوية لا يعقلها إلا العالمون.
أسأل الله تعالى أن يوفق فضيلة الإمام شيخ الأزهر إلى ما فيه الخير والصلاح والسداد، ونشر للسلام بين شعوب الأرض، إنه ولي ذلك ومولاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

Related Articles

1 COMMENT

  1. الكاتب حرف كلام شيخ الأزهر ثم بنى هجومه على المعارضين
    وهذا فى قواعد العلاماء تدليس

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -spot_img

Latest Articles