-1.7 C
New York
الأربعاء, يناير 19, 2022

Buy now

الأديبة السورية ايمان الدرع تكتب .. ذاكرة وطن

الأديبة ايمان الدرع

بقلم الأديبة السورية ايمان الدرع

وأجلس بين أوراقي أمزّقها، وتمزّقني..للعام السابع لم يهدأ الوجع.ران الصمت على الروح..وزغرد الجرح منتصراً
واليوم أصحو على سعي الذئاب، إلى تفتيت جذور الأخوة بين العرب، والكرد في الشمال السوري.
لا أتناول ذلك كتقريرٍ سياسيّ، يرصد ما جرى، ويجري من إخوة، أفرقاء، حلفاء، أعداء.
.من الرابح، من الخاسر؟! فالكل خاسر، لمّا يتكشّف الجذر، وتتكسّر الأغصان الجامعة
إني أتحدّث عن الوجدان الذي يُنحر على مذبح الوطن، تتعبني الذاكرة المتخمة في تزاحم تفاصيلها..يوم كنت في بداياتي في (حلب) الأم السورية الكبرى..في ( حيّ الأشرفية) حيث تقطن فيه نسبة كبيرة من أهلنا الكرد..في بيوتٍ متداخلة مع بيوت أهل حلب..بل كانوا يشكّلون لوناّ محبّباً، قريبا من أفئدتنا..
أذكر تماماً جارتنا ( أم علاء) يوم تعطّل السير، أثناء أوبتي، عقب الدوام الوظيفيّ، وتأخرت في العودة إلى بيتي، مما أحرق أعصابي، فهذا يعني بأن ولديّ الصغيرين، العائدَين من المدرسة، بعد أن أوصلهما الباص..سيجلسان على الدرج بانتظاري، والجوّ بارد، عاصف..
وكيف صارت دقات قلبي، كجمرات مستنفرة، حينما لم أجدهما…إلى أن انطفأ قلقي..فور معرفتي بأنهما في بيت جارتي الكردية الطيبة..وهي تحدثني بعربية ثقيلة.:ـ
ــ..اتفضلي جارتنا…لاتخافي…كوهنه اولادك…
فلقيتهما قرب المدفأة، وأمامهما وجبة شهية..ورائحة الطعام المطهوّ بزيت الزيتون الأصلي، القادم من معاصر ( عفرين) ضيعتهم.. تفوح في الدار النظيفة ..البسيطة في أثاثها..الغنية بساكنيها..
أذكر في ليلة صيفية من ليالي حلب..كيف شدّتني ـ وأنا على شرفتي..ــ حفلة زفافٍ بمراسمها الكردية التي تجلجل بالفرح ..على هدير الطبول، والمزامير..من القلب كانت الحناجر تهزج،،، والدبكات تعقد في الساحات العامة، والشوارع التي تعانق النوافذ ألفةً، وقد غار زوجي عليّ لاقتراب الشرفة من الشارع..فرحت أرقبهم خلف الستار ..أتلصص بدهشة على فرح خرافيّ في بهجته.
وها أنا الآن أسمع صدى بائع الفواكه ( حمو ) في دكانه الملاصق لمدخل بيتنا، وهو يصيح مصفقاً:
ـــ تعى أبوووي عنب عنب…عسل ياتين…عالمكسر يا جبس..تعى أبوي..
أرى الآن ( لينا ) ابنة جارنا الكردي ( حنّان)..تلك الجميلة الصغيرة، ذات العينين الخضرواين..حين كنت أمازح ولدي البكر وهو مازال يلثغ.. أقول له:ـ هيك لكن .(.لينا ) بنت (إليس) ــ اسم أمها ـــ
فيتلعثم خجلاً..بعد أن ضبطت براءته..وهو يهديها تحت النافذة، قطعة شوكولاة..من حصته..
تقفز إلى ذاكرتي صورة مدرس قدير للغة العربية من / القامشلي/ ( رشاد قاسم) حضرت له درساً ..ــ على عادتي حين كنت في الإدارة.ـــ .وكان الموضوع عن المعلّقات / قصيدة لامرئ القيس/ كيف أدهشني بأسلوبه المثقف، ومعرفته الواسعة، وأسلوبه الرصين الواثق، وصوته الجهوري، ومفرداته الجزلة القوية، وهو يحاول تبسيطها ما استطاع ، بأسلوب تربوي ناجح..وكان شاعراً فصيحاً، مفوّهاً..أُوكلُ إليه القيام بإلقاء قصائده في الاحتفالات الوطنية، والمناسبات.
ولم أستغرب فالقامشلي تستجمع فيها مجانين الشعراء..ونوابغهم..
و( لأم محمد) ذكريات تتفرّد بها…كانت فقيرة،.تعينني ـــ كابنة لي ــــ في مهام المنزل…ذات نفس عفيفة، تساعد زوجها في دفع إيجار السكن، والتوفير لمنزل صغير يستعدان لشرائه…قبل أن تهبّ مآسي الأحداث..ويسافرا إلى ديار بعيدة..
هذه المرأة أذهلتني على صغر سنها، فهي أخت الرجال، بأمانتها، بصبرها، باحتمالها لزوجها العصبي النزق..الذي كان لفرط ضغوط الحياة، ينسى ذاته، ويضربها أحياناً…..فتتوارى عنه مستغيثة، ولما يهب الجيران إلى نجدتها…تنفي ماكان…قائلة: سوء تفاهم، ويمضي… نحن بخير، أشكركم.
ولما أعاتبها على فرط صبرها تقول: ـــ يا أمي والله هو كوّيس.وشغّيل، وابن حلال، وقلبه طيب،.بس الله يلعن الظروف، وبعدين هو أبو اولادي…دي وين أروح…؟؟!!
تلوح لي السنوات التي أمضاها عمي مدرس اللغة العربية ( رضوان الدرع) رحمه الله كيف أمضى وعائلته سنوات خدمته الوظيفية الأولى في ( عين العرب)..فأعطى زبدة ثقافته بإخلاصٍ حكت عنه الأجيال…وكأنه بين أهله..وكانت في حياته الفترة الأحلى.
ولم يكن الأول ..فكثيرا ماكانت وزارة التربية ترفد الجزيزة بكوادرها الثقافية في كل الاختصاصات..
أذكر ( إعزاز) ذات الطبيعة الخلابة …والتي كنت أخصها بزيارة، قبل عودتي إلى دمشق.. …نشقّ الريف الحلبيّ إليها..كي أشتري لي، ولأسرتي..أجمل الثياب التركية..والمقتنيات المميزة..كنا نجول بين البيوت التي تعرض البضائع، دون توجّسٍ، أو خوفٍ..فيحيطنا أهلها الكرد بمودة، وشهامة، رغم مماحكتهم بالسعر بشكل قطعي لايقبل الحسم..أو المساومة..إلا فيما ندر..فنضحك قائلين: عقل كردي عنيد يابس..ومافي فايدة..
يا الله!! كيف أقنع نفسي وأغلق أبواب ذاكرتي…!؟؟ وقد تزوّج إلى الجزيرة الكثير من بنات العائلة…وكان زواجهن ميموناً..مباركاً…
كيف وفي وسط شوارع دمشق العريقة ساحة تسمى( ساحة شمدين) وموقف ( صلاح الدين) ـ البطل الذي كسر شوكة الصليبيين ـ وحيّ كبير كبير أسمه ( ركن الدين) !!! وقد احتضن العائلات الكردية، متداخلة مع العائلات المتنوعة..من كل المحافظات.كخلايا الجسد الواحد من الصعب فصلها،
كيف وقد تصدرت أشهر الألقاب مسميات العائلات الكردية المعروفة التي ذابت في النسيج السوري بوفاء، وإخلاص، ومحبة..لاتعرف التقسيم،..والتجنيس..: شيخو، بوظو، كنجو،البوطي.السيروان، ديركي، البرازي..كفتارو..هنانو… وغيرها..وغيرها…؟!
كيف وهي من نسيجنا الاجتماعي الصميم، من أغناهم حالاً مثل: / منّان آغا/ الإقطاعي الحلبي..إلى أبسطهم / أبو مستو/ العامل، رقيق الحال.
هذا الملفّ أوجعني ..لأنه ليس عاديّاً…إنه ملفّ من الممكن جدا تلافي أخطائه، وثغراته.وتثبيت حقوقه.، وضمان مستقبله، وتحقيق رؤيته..
ولكن… ليس من السهل اغتيال ذاكرة وطن…لأنها ستنبت في الصدور، ذاكرة بديلة، لاتمووووت.

Related Articles

2 COMMENTS

  1. ذاكرة وطن أم محبة وطن معجونة بالوجع شدني هذا المقال المتسق بعربيته ومعانيه والممتع بمروياته وانسيابه والمتسامي بروح كاتبته الأديبة الفذة السيدة إيمان الدرع .. رعا الله سوريا وحماها من شر الأشرار ، والتحية ةل التحية لشعبها الطيب الأبي ولكاتبتنا المبدعة الف تحية وباقة ورد ?

    • الروائي العربي الكبير أ . جابر خليفة جابر
      شرف كبير مرورك..كلماتك الطيبة منحت المقال ألقاً..وبعداً…
      وثقتك الكبيرة موضع تقديرٍ، واعتزاز..
      أشكرك على أمنياتك الصادقة لبلدي الحبيب سوريا..
      تحياتي وأمنياتي..وأطواق ياسمين..

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

- Advertisement -spot_img

Latest Articles